أطلقت وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات الأجندة الوطنية للشركات التقنية الناشئة (2025-2030)، بوصفها إطاراً سياساتياَ يهدف إلى هيكلة منظومة الشركات التقنية الناشئة في سوريا، ووضعها في موقع المحرك الرئيسي للتعافي الاقتصادي والتحول الرقمي.
تمثل هذه الأجندة تحولاً هاماً نحو نهج أكثر تنظيماً وشمولية، وتعكس إدراكاً متزايداً للدور الذي يمكن أن تؤديه الشركات التقنية الناشئة في إعادة بناء القدرات الاقتصادية وتعزيز الابتكار في مرحلة ما بعد النزاع.
شهدت منظومة الشركات الناشئة في سوريا في السنوات الأخيرة نشاطاً متزايداً، مع تزايد عدد المشاريع في مراحلها المبكرة، وبرامج الدعم، والشبكات الناشئة. ومع ذلك، لا يزال هذا النشاط غير متوازن، و يتسم بالتشتت، وضعف تدفق رأس المال، ومحدودية الانتقال من التجارب في المراحل المبكرة إلى المشاريع القابلة للتطبيق والتوسع.
بدأت الوزارة التحضير للأجندة عبر عدد من الملتقيات والفعاليات، من أبرزها القمة الوطنية الأولى للمؤسسين، التي جمعت أكثر من 140 مؤسساً من رواد الأعمال السوريين في دمشق، إضافةً إلى ملتقى للمنظمات الريادية بمشاركة أكثر من 30 منظمة، وبالشراكة مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي. وقد ناقشت هذه اللقاءات سبل تعزيز بيئة الابتكار، ودور المنظمات الريادية في دعم المؤسسين، وصياغة الاستراتيجية الوطنية لريادة الأعمال.
كما أشرفت الوزارة على إطلاق عدة مبادرات وطنية ومنصات ريادية ضمن رؤيتها في تعزيز ركائز المنظومة الريادية، ووفقاً لما ورد من الوزارة، تطورت بعض هذه المبادرات والمنصات لاحقاً لتصبح شبكات مستقلة أو شبه مستقلة، وأسهمت في توفير رؤى أساسية وشراكات وبيانات عملية ساعدت في صياغة هذه الأجندة، وأرست أساساً لتنسيق وطني بين الفاعلين في المنظومة الريادية.
ومن أبرز هذه المبادرات والمنصات:
- تحالف حاضنات ومسرعات الأعمال السورية (SAIA)
- الشبكة السورية للمستثمرين الملائكيين (Syria Angels Network)
- شبكة نساء سوريا للتقانة (Syrian Women Tech Network)
قبل مناقشة الأجندة نود الإشارة إلى أن التوجه الحكومي يبدو أنه انتقل من العمل على أجندة وطنية شاملة لريادة الأعمال بمفهومها الواسع، إلى التركيز بصورة أكثر تحديداً على الشركات الناشئة التقنية فقط. وفي السياق السوري الحالي، وخصوصاً ضمن بيئات ما بعد النزاع، من المفترض أن الاهتمام بالمفهوم الأوسع لريادة الأعمال يُعد أكثر إلحاحاً وأولوية، نظراً لما يشمله من دعم للمشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر، وريادة الأعمال المجتمعية، والمبادرات المحلية القادرة على المساهمة في خلق فرص العمل وتعزيز الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي. لكن في المقابل، تركز الأجندة الحالية بصورة رئيسية فقط على البعد التقني والشركات الناشئة التقنية، وهو ما قد يرتبط بطبيعة الاختصاص المؤسسي للوزارة وحدود نطاق عملها.
الإطار المفاهيمي
منظومة ريادة الأعمال
تعد منظومة ريادة الأعمال المفهوم الأوسع نطاقاً؛ وتعرف منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD) منظومة ريادة الأعمال بأنها تلك المؤسسات والمنظمات واللوائح والعمليات المترابطة التي تهيئ الظروف اللازمة لإنشاء الشركات الجديدة ونموها. وفي الأدبيات الأكاديمية، ينظر إلى هذه المنظومة باعتبارها نظاماً يضم رواد الأعمال، وهيئات الدعم، والجامعات، ومزودي التمويل، والوكالات الحكومية، حيث تتفاعل هذه الجهات فيما بينها لتمكين النشاط الريادي.
منظومة الشركات الناشئة
تمثل منظومة الشركات الناشئة مفهوماً أكثر تخصصاً يركز على الشركات الجديدة ذات إمكانات النمو المرتفع، إضافة إلى الشبكات الداعمة لها. وتضم هذه المنظومة المؤسسين، والمستثمرين، ومسرعات الأعمال، وحاضنات الأعمال، والجامعات، ومقدمي الخدمات، والجهات الحكومية التي تساعد الشركات الناشئة على التحقق من صحة أفكارها، وإطلاق أعمالها، وتوسيع نطاق عملياتها.
وتصف مؤسسة "Startup Genome" هذه المنظومة بأنها تجمّعٌ مشترك للموارد يتركز جغرافياً ضمن منطقةٍ معينة، ويتمحور حول المؤسسين ونمو الشركات الناشئة.
منظومة الشركات الناشئة التقنية
تُعد هذه المنظومة الأكثر تخصصاً من بين الفئات الثلاث؛ إذ تركز على الشركات القائمة على التكنولوجيا ، مثل شركات البرمجيات، والذكاء الاصطناعي، والتكنولوجيا الحيوية، والأجهزة الإلكترونية، وغيرها من المشاريع القائمة على الابتكار.
وإلى جانب أشكال الدعم المعتادة للشركات الناشئة، تعتمد هذه المنظومة بشكل أكبر على الكفاءات التقنية، والقدرات البحثية، والملكية الفكرية، ودورات الابتكار السريعة.
الشفافية والمنهجية البحثية
ذكرت الوزارة أنها اعتمدت في إعداد الأجندة على عملية مرحلية شاملة تضمنت تحديد الفاعلين الرئيسيين، وآليات الدعم المتاحة، والفجوات التنظيمية، واستندت إلى منهجية بحثية متكاملة جمعت بين البحوث المكتبية والميدانية، واستطلاعات المنظومة، وتحليلات السياسات التي أجراها خبراء ومؤسسات متخصصة.
كما أشارت إلى أنه تمت مراجعة أكثر من مئة دراسة وبحث أكاديمي ومؤسسي شملت أبحاثاً طويلة الأمد.
نود أن نلفت النظر إلى أنه، بصفتنا مركزاً بحثياً معنياً بتطوير المنظومات المستدامة في سوريا، لم نطّلع على أي من هذه الأبحاث والدراسات، إذ لم تنشر الوزارة أياً منها، رغم أنها ينبغي أن تكون متاحة للجمهور.
كما أنها غير مذكورة ضمن مصادر الأجندة نفسها، ومن غير الواضح من هم الخبراء أو المؤسسات الذين شاركوا في إعداد هذه الأجندة، إذ لا يوجد أي ذكر لهم.
ومن شأن تعزيز الشفافية في هذا الجانب أن يدعم النقاشات العامة القائمة على الأدلة، وأن يسهم في تعزيز التوافق بين مختلف أصحاب المصلحة.
المشاركة العامة
فتحت الوزارة باب الاستشارة العامة للاطلاع على مسودة محاور الأجندة و الملاحظات حولها. ومن حيث المبدأ، يُعد توسيع دائرة المشاركة مع رواد الأعمال والمستثمرين والخبراء وغيرهم في مناقشة الأجندة خطوة إيجابية ومطلوبة، إلا أن آلية المشاركة بدت أقرب إلى نموذج استبياني محدود أكثر من كونها عملية تشاركية متكاملة، إذ اقتصرت المشاركة على:
- تقييم المحاور من 1 إلى 5
- كتابة تعليقات واقتراحات
- الإجابة على أسئلة تقيس الانطباع العام
ووفقاً لما ورد عبر المنصة، شارك أكثر من 550 شخصاً في تقييم محاور الأجندة. إلا أنه لا يبدو واضحاً إلى أي مدى انعكست هذه الآراء والملاحظات على الصياغة النهائية أو على آليات التنفيذ المقترحة. وبناءً على متابعتنا للمنظومة وتواصلنا المستمر مع عدد من الجهات الفاعلة فيها، يبدو أن مستوى المشاركة الفعلية في صياغة السياسات ما يزال محدوداً.
المحاور الاستراتيجية للأجندة
تحتوي الأجندة على ستة محاور استراتيجية: تنمية المواهب، الشبكات والتواصل، والثقافة الريادية، والوصول إلى الاستثمار، والوصول إلى الأسواق، والانظمة الداعمة.
يُشير مختبر آرام إلى عدة نقاط قوة في الأجندة، منها إطارها الشامل على مستوى النظام، وسعيها لدمج أبعاد متعددة لتطوير المنظومة، وتوافق المحاور مع المناهج الدولية لتصميم المنظومات.
وفي المقابل، تبقى فعالية الأجندة مرتبطة بقدرتها على عكس السلوك الفعلي للمنظومة والواقع التشغيلي القائم.
فعلى الرغم من وضوح الأهداف والأولويات الاستراتيجية، فإن الانتقال من التصميم الاستراتيجي إلى التنفيذ العملي يظل تحدياً رئيسياً، خصوصاً في ظل الحاجة إلى تطوير ما يمكن وصفه بـ"الطبقة التشغيلية" للمنظومة، أي الآليات الفعلية التي تحدد كيفية تفاعل الفاعلين، وانتقال الشركات عبر مراحل الدعم المختلفة، ومواءمة الأدوات التنظيمية والمالية والسوقية مع الظروف الواقعية التي يواجهها المؤسسون.
ونظراً للسياق الهش الذي تمر به سوريا، يشدد مختبر آرام على أن عملية تصميم السياسات — حتى وإن صُوِّرت على أنها عملية "غير تشغيلية" — لا يمكن فصلها تماماً عن الحقائق التشغيلية الملموسة. إذ إن القدرة على تصميم أطر عمل فعّالة تعتمد، في جوهرها، على وجود فهم تفصيلي للكيفية التي تعمل بها الأنظمة في ظل القيود والظروف الواقعية القائمة.
وفي هذا الصدد، ينبغي التعامل مع الأهداف والتوقعات ومؤشرات الأداء بحذر، والتحقق من صحتها بصورة مستمرة في ضوء الظروف الميدانية القائمة.
وترتكز المقاربة الأمثل، من وجهة نظرنا، على المراقبة المستمرة للمنظومة، وفهم كيفية تفاعل الفاعلين ضمن بنيتها الحالية، والعمل على ردم الفجوات وفهم الصعوبات والمعوقات، إلى جانب إجراء الأبحاث والدراسات، وتطوير لغة ومفاهيم مشتركة تسهم في توحيد الرؤية بين الفاعلين وتعزيز الاستدامة المنشودة.
الحوكمة وتركيز الأدوار
قدّمت الأجندة إطارًا للحوكمة عبر إنشاء مجلس الريادة التقنية تحت إشراف وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات، لتفيذ الخطة الوطنية المنبثقة ولتنسيق الجهود بين مختلف الجهات المعنية. وفي هذا السياق، تأتي الأجندة الوطنية للشركات الناشئة التقنية لمحاولة سد الفراغ المؤسسي من خلال إنشاء إطار سياساتي وآلية حوكمة مشتركة تربط بين مؤسسات الدولة، والقطاع الخاص، والهيئات الأكاديمية، والمجتمع المدني، والشركاء الدوليين، ضمن رؤية موحدة وأهداف قابلة للقياس.
ومن منظور المبادئ الأولى (First principles), كان من الممكن أن تتجه الأجندة نحو اقتراح إنشاء هيئة مستقلة أو وزارة للاقتصاد الرقمي والريادة أسوة ببعض الدول التي استُخدمت ضمن المقارنات المعيارية. فقد لمسنا تسرعاً في إطلاق المبادرات والمنصات المختلفة، بما يعكس توجهاً نحو تعزيز الحضور المركزي للوزارة ضمن ملف الشركات الناشئة التقنية. وتعمل الوزارة، من خلال الأجندة، على بناء أطر مركزية للتنسيق والإشراف، بالتوازي مع تطوير مبادرات وأدوات تسهم في تشكيل المنظومة والتحكم بمخرجاتها من مواهب وشركات تقنية.
وهذا يذكرنا بتجربة الأمانة السورية للتنمية خلال عهد النظام البائد، ونود التأكيد هنا أن النقد المطروح يركز على السياسات وآليات الحوكمة، وليس على الأفراد العاملين ضمن الوزارة أو المنظومة بنية حسنة. كما لوحظ تمركّز بعض الأدوار ضمن عدد محدود من الجهات الفاعلة، بحيث تتداخل أحياناً مهام تنظيم المنظومة، وصياغة الخطاب العام، وتقديم المشورة للجهات الحكومية، والتمثيل ضمن المبادرات الوطنية الناشئة.
ويثير هذا التداخل تساؤلات تتعلق بتضارب المصالح، والفصل بين الأدوار الاستشارية والتنفيذية، وحيادية عملية صنع القرار، وتكافؤ الفرص بالنسبة للمؤسسين والمنظمات المستقلة.
الاعتمادية والتراخيص من وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات
أُعلن خلال حفل إطلاق الأجندة عن منصة تهدف إلى تمكين الشركات الناشئة التقنية من الحصول على اعتماد رسمي من الوزارة. كانت هذه الاعتمادية قد أعلن سابقاً عن الغاءها دون توضيح الإجراءات التطبيقية المرتبطة بذلك في حينه، لتعود لاحقاً بصيغ وأسماء مختلفة، بما يوحي بتراجع الوزارة عن القرار. ففي السابق، كان الترخيص يطلب من الهيئة الناظمة للاتصالات والبريد، أما اليوم فأصبحت الاعتمادية تطلب من الهيئة الوطنية لخدمات تقانة المعلومات، ويمكن القول أن القرار لم يطبق فعلياً. وها نحن نرى الاعتمادية أيضاً ضمن الاجندة الطموحة التي من يفترض أن تسهم في تقليص الإجراءات والتعقيدات البيروقراطية.
كما تشير التوجهات المتزايدة نحو إنشاء اعتمادات أو تراخيص للمنصات، والحاضنات، ومسرعات الأعمال، وغيرها من مكونات المنظومة، إضافة الى طلب الحصول على تقارير دورية منها، إلى التحول نحو آليات التحقق المركزية والتحكم بدلاً من نمو المنظومة في السوق المفتوحة.
فهل يتم دعم الشركات الناشئة التقنية من خلال فرض اعتمادية على التطبيقات والمنصات الإلكترونية، وما يرافق ذلك من تعقيدات وإجراءات انتظار، إضافة إلى المتطلبات الأخرى المرتبطة بتأسيس الشركات لدى الجهات الحكومية المختلفة؟ وإذا عدنا إلى المبادئ الأولى، ووفقاً لتجارب الدول المستخدمة ضمن المقاربة المعيارية المذكورة في الأجندة، فلا نرى هذا النوع من التراخيص مطبقاً على التطبيقات والمنصات كافة. وعند الحديث عن قطاعات حساسة أو أمنية، يمكن اعتبار هذه الاعتمادية طلباً مشروعاً، إلا أن المقصود هنا يشمل جميع الشركات التي لديها منصات وتطبيقات رقمية.
التمويل والاستدامة
تشيرالأجندة إلى أهداف طموحة تتعلق بإطلاق ألف شركة ناشئة واستقطاب 200 مليون دولار من التمويل المغامر بحلول 2028. ويرى مختبر آرام أن تحقيق هذه الأهداف يتطلب وجود حد أدنى مستدام من الاستثمار الحكومي وهو مستوى أدنى من الاستثمار يضمن استمرار الأجندة حتى في حال تغيّر ظروف السوق بحيث لا تعتمد استدامة الأجندة الوطنية بالكامل على التمويل الخارجي والوعود الاستثمارية الخاصة. وبناءً على تحليلاتنا، نرى أن التمويل يعتمد بصورة كاملة على مصادر التمويل الخارجية.
ومن خلال بحثنا، تبيّن وجود منصة مرتقبة تعمل الوزارة على إطلاقها تحت اسم "منصة التعهدات الوطنية", وهي منصة وطنية تُمكّن المؤسسات من تسجيل تعهّدات طوعية وعلنية تهدف إلى دعم منظومة الشركات الناشئة التقنية في سورية، ضمن إطار الأجندة الوطنية 2025–2030. وتُراجَع هذه التعهّدات وتُعتمَد من قِبَل وزارة الاتصالات وتقانة المعلومات قبل نشرها بشكل علني، مما يعزّز الشفافية ويتيح قياس الأثر الفعلي في بيئة ريادة الأعمال التقنية.
وفي الوقت الذي تدعو فيه الوزارة إلى مشاركة فعّالة، ينبغي عليها الحفاظ على حياديتها و ومراعاة المصلحة العامة، مع الانتباه إلى مخاطر "استئثار الجهات الفاعلة بالسلطة"، حيث قد تتمكن الجهات ذات النفوذ أو الموارد الأكبر من توجيه الأجندة بما يخدم مصالحها الخاصة على حساب المنظومة الأوسع أو الفاعلين الجدد في السوق, وهذا ما لم نره خلال الفترة السابقة, ففي مرحلة ما بعد النزاع، لا يكمن العجز الأكبر عادةً في رأس المال، بل في الثقة ومخاطر "التجميل الظاهري": فقد تُطلق الجهات المعنية وعودًا كبيرة لأغراض العلاقات العامة دون وجود تنفيذ فعلي قابل للقياس.
وتُعد بوابة التعهدات الرقمية بمثابة "المنارة" للأجندة، إلا أن نجاحها يعتمد على مدى استنادها إلى أسس متينة من المساءلة والمتابعة، لا إلى الاعتبارات الإعلامية والعلاقات العامة فقط. وبحسب متابعتنا لكل المبادرات التي أطلقت من الوزارة خلال المرحلة السابقة، لم تكن هناك مؤشرات واضحة على وجود مساءلة أو تقييم دوري للأثر, بل على العكس استمرت بسياستها القائمة على الظهور والعلاقات العامة دون أي أثر أو مساءلة تذكر. ومن الأمثلة على ذلك الشبكة السورية للمستثمرين الملائكيين (Syria Angels Network) التي أُعلن عن إطلاقها بمشاركة 30 مستثمراً وبقيمة أولية تقارب 10 ملايين دولار لدعم الشركات الناشئة السورية في مراحلها المبكرة. إلا أن أثر هذه المبادرة ومسارها الحالي لا يزالان غير واضحين، وينطبق الأمر ذاته على تحالف حاضنات ومسرعات الأعمال في سوريا (SAIA) وغيرها من الأمثلة.
توصيات مختبر آرام
نحن في مختبر آرام نود طرح تساؤلاتنا وملاحظاتنا أمام الرأي العام كما نطرح التوصيات التالية وندعو إلى العمل بها:
أولاً: الحوكمة والشفافية
- ضمان الوصول المفتوح إلى المعلومات ونشر مؤشرات أداء قائمة على الأدلة للمنظومة.
- الفصل الواضح بين الأدوار الاستشارية والتنفيذية وبين القطاعين الحكومي والخاص.
- تعزيز آليات الحوكمة والشفافية والمساءلة.
- إنشاء هيئة إشراف مستقلة أو نموذج حوكمة متعدد الأطراف.
ثانياً: تطوير المنظومة والتنسيق المؤسسي
- تعزيز التنسيق والتواصل بين الفاعلين عبر أدوار ومسارات واضحة.
- الحد من الازدواجية بين المبادرات والمنصات المختلفة.
- إنشاء حلقات تغذية راجعة مستمرة مع الجهات الفاعلة.
ثالثاً: البيئة التنظيمية والتشغيلية
- تبسيط إجراءات تأسيس الشركات وتشغيلها.
- مراجعة آليات الاعتماد والترخيص وضمان تناسبها مع طبيعة الشركات الناشئة التقنية.
- مواءمة السياسات التنظيمية مع احتياجات السوق والواقع التشغيلي.
رابعاً: التمويل والاستدامة
- تحسين تدفق رأس المال داخل المنظومة وليس فقط زيادته كمياً.
- معالجة العوائق المتعلقة بالربحية والبنية التحتية المالية.
- تعزيز التوافق بين المستثمرين والشركات الناشئة.
خامساً: المواهب والنمو
- دعم انتقال الشركات الناشئة من المراحل المبكرة إلى مراحل النمو والتوسع.
- مواءمة تنمية المواهب مع احتياجات السوق.
- تطوير مسارات دعم واضحة ومستدامة للمؤسسين.
في نهاية المطاف، تحتاج بيئات ما بعد النزاع، بصورة ملحّة، إلى مثل هذه التوصيات، إذ إن غيابها يجعل المنظومة معرّضة لخطر التحول إلى شبكات مغلقة، بما يحدّ من الابتكار والثقة والاستثمار. ونود التأكيد على أن أي أجندة وطنية للشركات الناشئة التقنية تتيح فرصة مهمة للانتقال من أنشطة مجزأة إلى منظومة أكثر تماسكاً. إلا أن تحقيق هذه الإمكانات سيعتمد على مدى استناد تصميم السياسات إلى فهم سلوك المنظومة وفاعليها، وعلى قدرة التنفيذ على سد الفجوة بين الهيكل والوظيفة.
ملحق الإطار المفاهيمي
منظومة ريادة الأعمال
تشير منظومة ريادة الأعمال إلى مجموعة مترابطة من الفاعلين والعوامل والمؤسسات التي تتفاعل ضمن سياق جغرافي أو اقتصادي محدد بهدف دعم ظهور ونمو الأنشطة الريادية. وتشمل هذه المنظومة روّاد الأعمال، والجامعات، والمستثمرين، والحاضنات، والجهات الحكومية، والسياسات، والثقافة، والشبكات، والأسواق، والموارد المالية والبشرية. ومن هذا المنطلق، لا تُفهم ريادة الأعمال كفعل فردي معزول، بل كنتيجة لتفاعل عناصر متعددة تُسهم في تمكين الأفراد من اكتشاف الفرص وتحويلها إلى مشاريع ذات قيمة اقتصادية أو اجتماعية. ويستند هذا التعريف إلى Stam and Spigel، اللذين يعرّفان منظومة ريادة الأعمال بأنها مجموعة من الفاعلين والعوامل المترابطة والمنسقة بما يمكّن ريادة الأعمال المنتجة داخل إقليم معين.
منظومة الشركات الناشئة
تُعد منظومة الشركات الناشئة جزءًا أكثر تخصصًا من منظومة ريادة الأعمال، إذ تركّز على البيئة التي تساعد على تأسيس الشركات الناشئة وتطويرها ونموّها في ظل ظروف تتسم بعدم اليقين والبحث المستمر عن نموذج عمل قابل للتكرار والتوسع. وتتكوّن هذه المنظومة من المؤسسين، والمستثمرين، والمسرّعات، والحاضنات، والموجّهين، والجامعات، ومقدمي الخدمات، والشركات الكبرى، والجهات التنظيمية، إضافة إلى الشبكات الاجتماعية والمهنية التي تسهّل الوصول إلى التمويل، والمعرفة، والمواهب، والأسواق. ووفقًا لـ Ziakis et al.، فإن تطور الشركات الناشئة ونجاحها واستدامتها يتأثر بعوامل سياقية ضمن منظومة ريادية إقليمية تضم جهات متعددة، ويمكن تحليلها من خلال نموذج الـ Quadruple Helix الذي يجمع بين الجامعة، والصناعة، والحكومة، والمجتمع.
منظومة الشركات الناشئة التقنية
تشير منظومة الشركات الناشئة التقنية إلى البيئة المتخصصة التي تدعم تأسيس ونمو الشركات الناشئة التي تعتمد على التكنولوجيا والابتكار الرقمي أو التقني كمصدر رئيسي لقيمتها التنافسية. وتشمل هذه المنظومة المواهب التقنية، والبنية التحتية الرقمية، والجامعات ومراكز البحث والتطوير، والمستثمرين المتخصصين في التكنولوجيا، والمنصات الرقمية، وحماية الملكية الفكرية، والسياسات الداعمة للابتكار، والأسواق القادرة على تبنّي الحلول التقنية.
وبذلك تختلف هذه المنظومة عن منظومة الشركات الناشئة العامة في أن التكنولوجيا ليست مجرد أداة تشغيلية، بل عنصرًا جوهريًا في المنتج أو الخدمة أو نموذج العمل. ويستند هذا التعريف إلى أدبيات منظومات ريادة الأعمال الرقمية، حيث يربط Sussan and Acs بين المنظومة الريادية الرقمية والمنصات الرقمية والمستخدمين والأسواق الرقمية، بينما يؤكد Elia et al. أن التقنيات الرقمية والذكاء الجمعي يعيدان تشكيل العملية الريادية وبيئتها.
References /المراجع
Stam, Erik, and Ben Spigel. “Entrepreneurial Ecosystems.” Utrecht School of Economics Discussion Paper Series 16, no. 13 (2016). Utrecht University.
Ziakis, Christos, Maro Vlachopoulou, and Konstantinos Petridis. “Start-up Ecosystem (StUpEco): A Conceptual Framework and Empirical Research.” Journal of Open Innovation: Technology, Market, and Complexity 8, no. 1 (2022): 35.
Sussan, Fiona, and Zoltan J. Acs. “The Digital Entrepreneurial Ecosystem.” Small Business Economics 49, no. 1 (2017): 55–73. https://doi.org/10.1007/s11187-017-9867-5.
Elia Gianluca, Alessandro Margherita, and Giuseppina Passiante. “Digital Entrepreneurship Ecosystem: How Digital Technologies and Collective Intelligence Are Reshaping the Entrepreneurial Process.” Technological Forecasting and Social Change 150 (2020): 119791. https://doi.org/10.1016/j.techfore.2019.119791.