كيف كان عام 2025 علامةً على ولادة منظومة الشركات الناشئة السورية
مقدمة
في عام 2025، دخلت منظومة الشركات الناشئة في سوريا مرحلة يمكن وصفها بدقةٍ بأنها إعادة ظهور تحت القيود لا “تعافياً”. فبعد ما يقارب أربعة عشر عاماً من الثورة، وانكماش اقتصادي يُقدَّر بنحو 85%، ما تزال البلاد تحمل ندوباً عميقة على المستويات المادية والمؤسسية والنفسية. لا تزال البنية التحتية هشّة، والقوة الشرائية ضعيفة، ويطبع عدم الاستقرار تفاصيل الحياة اليومية.
وفي الوقت نفسه، شهدت البيئة الخارجية لسوريا تحولاً مرئياً. إذ أسهم رفعُ بعض العقوبات الأوروبية، إلى جانب تغييراتٍ موازية في أطر العقوبات لدى أستراليا والولايات المتحدة والمملكة المتحدة، في تعديل شروط العزلة الطويلة وفتح قنواتٍ محدودة للانخراط الدولي. ولم تُحوِّل هذه التطورات الواقع الاقتصادي بين ليلةٍ وضحاها: فما تزال الكهرباء غير مستقرة، وأنظمة المياه متضررة، والاتصال الرقمي غير متكافئ وهي قيودٌ تثقل كاهل أي اقتصادٍ قائم على الابتكار. لكن هذه التحولات، عند جمعها، أعادت تعريف الشروط التي يمكن أن يعاود ضمنها النشاط الريادي الظهور.
لم يشهد عام 2025 انفجارًا رياديًا مفاجئًا، بل لحظة تقاطع بنيوي بين مشاريع ناشئة حديثة، وخدمات رقمية قائمة منذ سنوات، ومبادرات مؤسسية، وانخراط متجدد للشتات السوري، ما أتاح درجة من الظهور والتنسيق غير المسبوقين خلال العقد الماضي.
يفحص هذا التقرير ذلك التقاطع من منظورٍ بنيوي. فبدلاً من قياس “النجاح” بعدد الشركات الناشئة أو البرامج المُطلَقة، يطرح سؤالاً أكثر جوهرية: ماذا يحدث عندما ترتفع الطاقة الريادية داخل نظام لم تتكيّف هندسته الأساسية بعد لدعمها؟ للإجابة، يضع التحليل نشاط الشركات الناشئة داخل سياق سوريا الاقتصادي-السياسي الأوسع، ويرسم خريطة بنية المنظومة في 2025، ويفحص تجارب المؤسسين، ويحدّد الفجوات البنيوية التي تحدّ من قابلية التوسع وتمنع تراكم الزخم.
الحُجّة المركزية هي أن 2025 لم يكن “عام اختراق”، بل نقطة انعطاف. لقد كشف وجود قدرة ريادية حقيقية، وفي المقابل كشف غياب الشروط اللازمة لاستدامتها، مقدّماً أوضح صورة حتى الآن عن موقع منظومة الشركات الناشئة السورية وما الذي يجب أن يتغير كي تنتقل من “المرئية” إلى “الصلابة”.
ملخص تنفيذي
في عام 2025، بلغت منظومة الشركات الناشئة السورية نقطة تحوّلٍ ظاهرة. وللمرة الأولى منذ اندلاع الثورة، بدأت النشاطات الريادية والمبادرات المؤسسية وتجدد انخراط الشتات السوري تتقاطع داخل العام نفسه. ظهرت مراكز جديدة ومنصات وطنية، وازداد الحضور الدولي، ودخلت مجموعةٌ ملحوظة من الشركات الناشئة إلى المجال العام. وتشير التقديرات إلى أن أكثر من مئتي مشروعٍ ريادي بات نشطاً داخل البلاد، تقودها إلى حدٍ كبير الخدمات الرقمية وجيلٌ جديد من المؤسسين ذوي طموحٍ أعلى واستعدادٍ أكبر للتعامل مع الأسواق.
إلا أن هذا الزخم لم يتحول إلى توسعٍ مستدام أو استثمارٍ أو خلق وظائف على نحوٍ واضح. وتَخلص هذه المقالة إلى أن منظومة الشركات الناشئة السورية في 2025 لا يمكن فهمها بوصفها “في تعافٍ” أو “في انحدار”، بل بوصفها منظومة انتقالية: نشطة، مرئية، وأكثر اتصالاً تدريجياً لكنها تعمل تحت سقفٍ بنيوي يحدّ من المسافة التي يمكن أن تقطعها طاقتها. التقدم حقيقي، لكنه غير متكافئ وهش، لأن الهندسة الأساسية للمنظومة لم تتكيّف بعد مع مستوى النشاط الريادي الذي باتت تحتويه.
ماذا حدث في 2025؟
لم يكن نتاج عام 2025 شركاتٍ اختراقية، بل درجةً متقدمة من الاصطفاف المنظومي. تعرّف المؤسسون على قيودهم وفرصهم المشتركة، وتعززت قابلية الرؤية المتبادلة بين المؤسسات، وبدأت تتشكل، وإن بحذر, لغةٌ مشتركة حول ريادة الأعمال والابتكار. وقد شكّل ذلك تحولًا من أنماط البقاء الفردية إلى بدايات تشكّل نظام ابتكار.
بالتوازي، فرض انفتاح الأسواق وتزايد الحضور الدولي ضغوطًا جديدة، إذ احتدت المنافسة، وارتفعت التوقعات، وتراجعت قدرة الارتجال على احتواء الاختلالات البنيوية المزمنة. وعليه، اتخذ عام 2025 طابع اختبار الإجهاد أكثر من كونه عامًا للتوسع، مظهِرًا في آنٍ واحد إمكانات المنظومة الكامنة وحدودها البنيوية غير المعالجة.
النتائج الرئيسية
تُظهر نتائج هذا التحليل أن القيد الأساسي على منظومة الشركات الناشئة السورية لا يكمن في رأس المال البشري أو في مستوى الأفكار والطموح، بل في غياب البنية التمكينية القادرة على تحويل الزخم الأولي إلى نموٍّ مستدام. إذ إن الطاقة الريادية حاضرة ومتداولة، لكنها لا تزال عاجزة عن التبلور في قوة مؤسسية، أو شركات قابلة للتوسع، أو تأثير اقتصادي طويل الأمد
الفجوات البنيوية الستّ
- غموض قانوني وتنظيمي
تعمل الشركات الناشئة داخل أطر قانونية صُمِّمت للأعمال التقليدية، دون اعترافٍ واضح بشركات قائمة على الملكية/الأسهم، أو أدوات استثمار حديثة، أو حماية قابلة للتفعيل للملكية الفكرية. يحدّ ذلك من القدرة على الترخيص والتأسيس والاستثمار والتخطيط طويل الأجل.
- احتكاك مالي وجمود حركة رأس المال
رأس المال موجود، لكنه لا يتحرك بكفاءة. فضعف أنظمة الدفع، وغياب أدوات استثمار قابلة للإنفاذ، وتقلبات العملة، والقيود العابرة للحدود، تمنع تحقيق الدخل وتُضعف شهية الاستثمار وتُبقي الكثير من المشاريع عالقةً في المراحل الأولى.
- فجوة معرفة وإرشاد ونضج مؤسسين
يمتلك المؤسسون قدرة عالية على التكيّف وتدبير الموارد، غير أنهم يفتقرون إلى بيئات تعلّم تراكمية. فلا تتراكم المعرفة بين الدفعات الريادية، ويظل الإرشاد متقطعًا وغير مؤسسي، فيما تعجز نسبة كبيرة من المشاريع عن الانتقال من نماذج أولية إلى شركات ذات بنية تنظيمية واضحة وقابلة للاستمرار.
- غياب البيانات وضبابية السوق
البيانات الموثوقة عن السوق شحيحة. فلا يستطيع المؤسسون تقدير الطلب بدقة، ولا يستطيع المستثمرون تقييم المخاطر، ولا تستطيع المؤسسات التنسيق على أساس الأدلة ما يؤدي إلى تكرار الجهود وقرارات قائمة على الحدس.
- تفتت مؤسسي وغياب “المركز”
تعمل المنظمات غير الحكومية، والمسرّعات، والجامعات، والجهات المانحة، ومبادرات الشتات في مساراتٍ متوازية لا ضمن نظامٍ منسّق. وتتكرر الأدوار، وتظل المسارات غير واضحة، ولا تتراكم الخبرات أو الدروس المستفادة على مستوى المنظومة ككل.
- قيود البنية التحتية الرقمية والمادية
إن هشاشة إمدادات الكهرباء والاتصال الرقمي واللوجستيات لا تؤثر فقط في التشغيل اليومي، بل تعيد تشكيل منطق الابتكار ذاته، إذ تفرض قيودًا مباشرة على تصميم المنتجات وقرارات التوسّع وتآكل ثقة المؤسسين، ما يكرّس ابتكارًا حذرًا ومحدود النطاق ويقيّد التنوّع القطاعي.
هذه الفجوات لا تعمل بمعزلٍ عن بعضها؛ بل تشكّل معاً بنيةً ذاتية التعزيز تحدّ من التسارع المنظومي. ونادراً ما يفتح التقدم في مجالٍ واحد باب التقدم في مجالات أخرى ما لم تتحرك القيود بالتوازي.
ما الذي يجب أن يتغير في 2026؟
التحدي الحاسم في عام 2026 ليس التوسّع، بل الاتساق. فالمنظومة لم تعد بحاجة إلى مزيد من النشاط، بقدر حاجتها إلى هندسةٍ أكثر متانة. وسيعتمد النجاح في العام المقبل على قدرة النظام على البدء بالتكيّف مع حجم الطاقة الريادية التي بات يحتويها بالفعل.
ويتطلب ذلك تحوّلًا في الذهنية: من منطق تكديس الشركات الناشئة والبرامج إلى منطق تشكيل المسار. فبدل قياس التقدم بدرجة الظهور أو كثافة النشاط، ينبغي للفاعلين التركيز على ما إذا كانت القواعد، والمسارات، وآليات التنسيق أصبحت أكثر قابلية للتنبؤ، وأكثر انسجامًا، وأكثر ترابطًا. وستكون الخطوات الصغيرة المتعمّدة، التي تعزّز الوضوح القانوني، ومسارات التمويل والدفع، والتنسيق المؤسسي، وإنتاج البيانات، وموثوقية البنية التحتية، أكثر أثرًا من مبادرات كبرى تُبنى على أسس هشّة.
وعليه، لا ينبغي أن تكون حصيلة عام 2026 منظومةً أكبر حجمًا، بل منظومةً أكثر اتساقًا: قادرة على التعلّم الجماعي، ودمج الجهود، وتحويل الطموح الريادي إلى مؤسسات متينة وقابلة للاستمرار.
1. السياق والبيئة الكلية
بعد ما يقارب أربعة عشر عامًا من الحرب الأهلية وانكماش اقتصادي بلغ نحو 85%، تدخل سوريا عام 2025 مثقلة بندوبٍ مادية ونفسية عميقة، وإن كانت مشوبةً ببصيص أمل. فقد انهارت قطاعات رئيسية من الاقتصاد، وتعرّضت البنية التحتية لتدمير واسع، وأعاد التضخم الجامح تشكيل تفاصيل الحياة اليومية[1]. غير أن عام 2025 حمل تحوّلًا مفصليًا؛ ففي 28 مايو رفع الاتحاد الأوروبي معظم العقوبات القطاعية المفروضة على المصارف والطاقة والنقل والتجارة[2].
كما أُزيلت خمس مؤسسات مالية، من بينها المصرف الصناعي، ومصرف التسليف الشعبي، والمصرف الزراعي التعاوني، من قوائم تجميد الأصول، ما أتاح وصول الأموال إلى المصرف المركزي للمرة الأولى منذ سنوات.[3]
وفوق ذلك، شهدت الولايات المتحدة خطوة تاريخية تمثلت في تضمين قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2026 (الذي أُقِرّ في ديسمبر 2025) إلغاءً دائمًا لقانون “حماية المدنيين السوريين” لعام 2019 (قانون قيصر)، الأمر الذي أزال العقوبات الثانوية التي كانت تثني استثمارات الأطراف الثالثة عن دخول السوق السورية[4].
وبالتوازي، أدخلت المملكة المتحدة تعديلات جوهرية على لوائح سوريا (العقوبات) (الخروج من الاتحاد الأوروبي) لعام 2019، شملت رفع العقوبات عن وزارة المالية ووزارة الدفاع، وتخفيف القيود المفروضة على قطاعي الطاقة والمال[5]. كما قامت وزارة الشؤون الخارجية والتجارة الأسترالية (DFAT) خلال عام 2025 بتحديث نظام عقوبات سوريا، رافعةً عقوبات مستقلة عن جهات اقتصادية محورية.[6]
ومع ذلك، لا تزال الوقائع اليومية قاسية. فإمدادات الكهرباء غير مستقرة، وشبكات المياه متضررة، والاتصال الرقمي هش، وهي عوائق بنيوية جسيمة أمام أي نشاط اقتصادي يعتمد نموذج “الرقمنة أولًا”.[7] وتشكّل هذه الشروط الكلية الإطار الخارجي الذي بدأت ضمنه الحركة الريادية في سوريا تعاود الظهور خلال عام 2025.
2. لمحة المنظومة 2025
تُظهر الخرائط المتاحة منظومةً فتية تقودها الرقمنة. إذ تُقدِّر كلٌّ من مبادرة “Startup Syria” وتقييم “بيريتك” أن أكثر من 200 شركة ناشئة باتت نشطة داخل البلاد، معظمها لا يتجاوز عمره ثلاث سنوات.[8] [9]وتشير بيانات المسح الصادر في مايو 2025 إلى أن 39% من المشاريع لا تزال في مرحلة الفكرة، و38% في المراحل المبكرة، و18% في طور النمو، بينما لا تتجاوز نسبة المشاريع الناضجة 4%. وهي منظومة زاخرة بالزخم والفضول وروح التجريب، لكنها ما تزال تواجه صعوبة في إنتاج شركات قادرة على التوسّع على نطاق واسع.
تهيمن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات والخدمات الرقمية على المشهد، تليها الصناعات الخفيفة، والتصنيع الزراعي–الغذائي، والطاقة المتجددة، ومشاريع الاقتصاد الدائري، والمبادرات المرتبطة بالسياحة.[10] وتُجسّد خريطة “Startup Syria” هذه الأنماط بوضوح، عبر تكتلات لمنصات التجارة الإلكترونية، وخدمات التوصيل واللوجستيات، وأدوات الصحة الرقمية، وحلول التكنولوجيا المالية والمدفوعات، والصناعات الإبداعية، ومشاريع التكنولوجيا الغذائية، وهي مشاريع تعتمد، في الغالب، على الابتكار والمهارات الرقمية أكثر من اعتمادها على رأس المال الكثيف. وحتى بيانات التوزيع تعكس هذا التحول، إذ تُظهر أن 32.6% من الأعمال المدرجة في الخريطة باتت تُصنَّف بوصفها شركات ناشئة.[11]
كما يشهد النسيج الاجتماعي للمنظومة تحولًا لافتًا. إذ تمثل النساء اليوم ما يقارب 34.7–35% من المؤسسين، في ارتفاع استثنائي مقارنة بنسبة 22.4% في عام 2015، مع دور ريادي واضح في مجالات التعليم والرعاية الصحية والقطاع الإبداعي.[12]
وتضيف الجغرافيا بعدًا آخر إلى هذا المشهد؛ إذ يتركّز نحو ثلث الشركات الناشئة في دمشق (33.6%)، مع تجمعات ملحوظة في حمص (14.7%)، وحلب (12.1%)، واللاذقية (9.3%)، فيما تستضيف مدن أخرى جيوبًا أصغر لكنها آخذة في التشكل والنمو.[13]
3. اتجاهات رئيسية في المنظومة
في عام 2025، بدأ المشهد الريادي يبدو مختلفًا على نحوٍ ملموس؛ أكثر تنسيقًا، وأكثر وضوحًا، وأكثر ترابطًا مقارنة بالسنوات السابقة. وقد شكّل افتتاح مركز الابتكار الرقمي (DIGIT) في دمشق نقطةَ تحوّلٍ رئيسية. فهذا المركز، الأول من نوعه، الذي أطلقه برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP) بتمويلٍ ياباني، تحوّل إلى منارةٍ للشباب السوري، ومساحةٍ للتعلّم واستكشاف الأفكار وبناء النماذج الأولية، مدعومة بمختبرات رقمية وبرامج تدريب مهني وخدمات تطوير أعمال.[14]
وبعد أسابيع قليلة، أطلقت وزارة الاتصالات والتقانة التحالف السوري للحاضنات والمسرّعات (SAIA)، بوصفه منصةً وطنية تهدف إلى توحيد الحاضنات والمسرّعات ومساحات العمل المشتركة، ووضع الأساس ل "أجندة وطنية للشركات الناشئة" متماسكة.[15] (غير أنّ هذا التحالف حتى وقت كتابة هذا التقرير، لم يُترجم بعد إلى آليات تنسيقٍ رسمية أو نشاطٍ مشترك مستدام بين فاعلي المنظومة.)
وتعزّز الحضور الدولي بدوره. فقد شهد عام 2025 مشاركة سوريا لأول مرة بجناح وطني في معرض GITEX Expand North Star تحت شعار “Syria Is Online”، ما أتاح للمؤسسين عرض مشاريعهم أمام مستثمرين عالميين وإعادة وصلهم بشبكات التكنولوجيا الإقليمية.[16] وبالتزامن مع ذلك، انعقد مؤتمر SYNC 25، الذي نظّمه سوريون-أميركيون في وادي السيليكون، مقدّمًا على مدار يومين ورش عمل متخصصة في الذكاء الاصطناعي وأمن البيانات والتقنيات الناشئة، في محاولة لردم الفجوة بين الخبرات التقنية العالمية والمشهد التقني السوري الآخذ في التشكل.[17]
4. أبرز الفاعلين في المنظومة
بمجملها، تشكّل الجهات الفاعلة في منظومة الشركات الناشئة السورية شبكةً واسعة من المؤسسات، يسدّ كلٌّ منها فجواتٍ حرجة، وإن كان نادرًا ما يجري ذلك ضمن إطارٍ منسّق بالكامل. وفي قلب هذه الشبكة يقف روّاد الأعمال، مدعومين بطيفٍ من الحاضنات مثل Fikra Ventures و Yasmeen AI و Core Hub، التي توفّر تدريبًا مبكرًا وبرامج منظمة، رغم محدودية المسارات المتاحة للانتقال إلى التوسّع.
ويمثّل المستثمرون الملائكيون مجموعات مثل EBLA Ventures و Ghaith Ventures وشبكة السوريين للمستثمرين الملائكيين الآخذة في التشكل، فيما تُدخل مؤسسات التمويل التنموي كالصندوق الائتماني لإعادة إعمار سوريا (Syrian Recovery Trust Fund) والصندوق السوري للتنمية (SYDF) بنيةً مالية إقليمية إلى داخل المنظومة.
تظلّ المنظمات غير الحكومية الفاعل الأوسع نفوذًا والأكثر انتشارًا، إذ تشكّل العمود الفقري لدعم ريادة الأعمال. ويشمل ذلك جهات رئيسية مثل Digital Syria و Sanad Youth و مؤسسة الآغا خان و Jusoor و Syrian Tecnnocrats و Syrian Society for Startups and Research و Response Innovation Lab وغيرها.
وتمتد برامج هذه الجهات من بناء المهارات إلى الاحتضان والمنح ومختبرات الابتكار وريادة الشباب.
ويُكمل هذا المشهد مجالٌ متنامٍ من شركات الاستشارات المتخصصة في دعم الشركات الناشئة، منها BUDGET Consultancy and Development و Hermon Team و Bidayah Holding و Syrian Investment Gate، التي تقدّم خدمات التخطيط التجاري، والتحول الرقمي، والاستشارات القانونية، والجاهزية الاستثمارية.
كما تؤدي مسابقات مثل MOVE و THIMAR دور نقاط دخولٍ للمؤسسين الجدد، في حين تظلّ المصارف، بما فيها International Bank for Trade and Finance و Bank of Jordan Syria و Bank Al-Sharq و QNB Syria وغيرها، ذات أهمية بنيوية للنظام المالي، لكنها تبقى عمليًا بعيدة المنال عن معظم الشركات الناشئة، بسبب متطلبات الضمانات، والقيود التنظيمية، وتقلبات العملة.
5. محاولات الشركات الناشئة: التقدم والصعوبات
لم يتجلَّ نشاط الشركات الناشئة في عام 2025 على هيئة اندفاعة مفاجئة، بل بوصفه لحظةَ اصطفافٍ فارقة; نقطةَ تقاطعٍ التقت عندها المشاريع الجديدة، والجهات الراسخة، وبيئةٌ سياسية أُعيد فتحها جزئيًا للمرة الأولى. وقد أفرز العام دفعةً واضحة تضم أكثر من 25 مشروعًا جديدًا أو بات حديث الظهور، مقارنةً بعددٍ لا يتجاوز القليل في عامي 2023–2024. وبالنسبة لمنظومة افتقرت طويلًا إلى البنية وإلى حدٍّ أدنى من الأمان النفسي، كان هذا التحول ذا دلالة خاصة.
وتتضح معالم دفعة 2025 بجلاء من خلال تزامنها مع وجود مجموعة من المشاريع “المرتكزة” التي صمدت خلال العقد الماضي. فقد واصلت شركات مثل BeeOrder و YallaGo و Etloob و DiGiShi و Rocheta عملها لسنوات، مقدِّمةً خدماتها لمئات الآلاف من المستخدمين في مجالات التوصيل والتنقّل والتجارة الإلكترونية والخدمات الصحية. وقد أتاح حضور هذه الشركات ميزة غير متوقعة للمؤسسين الجدد: إذ كان السلوك الرقمي قد ترسّخ بالفعل لدى المستخدمين السوريين. وكما عبّر أحد المؤسسين: “لم يعد السوق بحاجة إلى التوعية، بل إلى التمكين”.
إن القبول الواسع للخدمات الرقمية هو ما أوجد البيئة التي انبثقت فيها دفعة جديدة من المشاريع. وتمثل شركات مثل Bitknz و Faseelh و Hoshblas و Green Rubble و StudyLoop و BETI BETAK و Tabib+ الجيل الأول من المبادرات التي أُطلقت في ظل الشروط الجديدة التي تبلورت بعد سقوط نظام الأسد في 08.12. وقد دخل كثيرٌ منها المجال العام لا بفعل جذبٍ عضوي من السوق، بل عبر برامج منظَّمة مثل Hack for Syria و Launchpad و Launch Up ومسابقات تقودها مبادرات الشتات. وقد شدّد المشاركون في المقابلات مرارًا على هذه النقطة: إذ برز معظم أفراد دفعة 2025 عبر “سقالات مؤسسية” أكثر مما برزوا نتيجة طلبٍ سوقي مباشر، وهي سمة مألوفة في المراحل المبكرة لتكوّن المنظومات الريادية.
وقبل سقوط نظام الأسد في 08.12، عمل المؤسسون تحت ضغوط أمنية كبيرة، لا سيما أولئك الذين يتعاملون مع البيانات أو المدفوعات أو المنصات الاجتماعية. ووصف عددٌ من المشاركين تلك المرحلة بأنها زمن “الارتجال” و“تكتيكات البقاء”، لا بناء المنظومة. أما المرحلة اللاحقة لـ08.12 فقد فتحت هامشًا للتجريب، لكنها أدخلت في الوقت ذاته أشكالًا جديدة من عدم اليقين، خصوصًا مع دخول منافسين أجانب يمتلكون خبرات متراكمة تمتد بين 15 و20 عامًا.
قطاعيًا، يتركّز أكثر من 60% من المشاريع الجديدة في مجالات التكنولوجيا المالية، وتكنولوجيا التعليم، وتكنولوجيا الصحة، والتجارة الإلكترونية، وهي قطاعات تتطلب بنية تحتية مادية محدودة وتستجيب لاحتياجات اجتماعية واضحة. وقد أسفر قطاع التكنولوجيا المالية وحده عن ظهور ما لا يقل عن خمسة لاعبين جدد، في انعكاسٍ متزامن لتنامي الطلب الرقمي واستمرار الاعتماد على النقد. في المقابل، وصف مؤسسو مشاريع التكنولوجيا الصحية قضايا الشرعية والامتثال والوضوح التنظيمي بأنها عوائق وجودية، مؤكدين أن “رقمنة القطاع الصحي في سوريا ما تزال غير مُعرَّفة”.
القيود الأربع الأكثر تكراراً
تكشف المقابلات، وتقارير البرامج، وشهادات المؤسسين عن أربع قيودٍ رئيسية شكّلت سلوك الشركات الناشئة على نحوٍ متكرر وممنهج:
1. المدفوعات وتحقيق الإيرادات
تظلّ أنظمة الدفع الرقمية عنق الزجاجة الأكبر. فحتى المنتجات ذات الطلب المرتفع تعجز عن تحويل المستخدمين إلى عملاء دافعين. وقد لخّص أحد المؤسسين هذا التحدي بقوله:
"منتجنا يعمل. الناس يريدونه. لكن ما دامت المدفوعات لا تعمل، فنحن نعيش في مرحلة نموذج أولي دائم."
2. التنظيم والترخيص
تواجه الشركات الناشئة مسارات بطيئة، أو غامضة، أو متناقضة، لا سيما في قطاعات التكنولوجيا المالية والتكنولوجيا الصحية. وأشار أحد المؤسسين إلى ذلك بقوله:
"توقّفنا لأشهر. لم نكن نعرف أي وزارة تُشرف على قطاعنا."
3. الاحتفاظ بالمواهب وتكلفة الكفاءات
يواصل المهندسون ذوو الخبرة الهجرة، فيما تبقى كفاءات الشتات غير ميسورة التكلفة. وكما أوضح أحد المؤسسين:
"المواهب موجودة؛ ما نفتقده هو القدرة على دفع تكلفتها."
ونتيجة لذلك، تعتمد معظم الفرق على كوادر مبتدئة أو متطوعين عن بُعد، ما ينعكس مباشرة على جودة المنتجات وسرعة تطويرها.
4. ضعف القدرة الشرائية
الطلب موجود، لكن القدرة على الدفع محدودة. وتواجه تطبيقات التعليم الرقمي والمنتجات الاستهلاكية صعوبة في تحويل الاهتمام إلى إيرادات، ما يدفع المؤسسين نحو المنح، أو النماذج المجانية الجزئية (freemium)، أو البقاء عبر الرعاية والدعم الخارجي.
تكشف هذه القيود مجتمعةً عن خلاصة مركزية: ليس الطموح ما يحدّ من الشركات الناشئة السورية، بل غياب البنية الوظيفية التي تُمكّن التوسّع. فالمؤسسون لا يفتقرون إلى الرغبة أو القدرة، وإنما تُقيّدهم العناصر التشغيلية التي تجعل النمو ممكنًا. ولهذا السبب، تبدو مفاهيم مثل "الزخم" أو "الجرّ السوقي (traction)" في السياق السوري مختلفةً عن غيرها من الأسواق.
فبدل الإيرادات المستقرة أو منحنيات النمو الواضحة، تتخذ مؤشرات المراحل المبكرة شكل إشارات اتجاهية تعكس حركةً دون ترسيخ: القبول في برامج احتضان وتسريع، أو نيل اعتراف في فعاليات إقليمية أو للشتات، أو إنجاز نماذج أولية، أو تنفيذ تجارب محدودة مع جامعات أو منظمات غير حكومية، أو تحقيق أرقام تنزيل أولية، أو المشاركة في هاكاثونات ومعارض.
ومن هذا المنظور، تتضح أهمية عام 2025 على نحوٍ أدق. فلم يُنتِج العام شركاتٍ اختراقية، لكنه أرسى ما هو أعمق: منطقًا رياديًا مشتركًا. وللمرة الأولى، تصرّف المؤسسون بوصفهم أعضاء في دفعة واحدة، لا فاعلين معزولين. صاغوا قيودهم المشتركة، وتعرّفوا على فرصهم المتقاطعة، وبدأوا الانتقال من الارتجال إلى الفعل المقصود.
وكما عبّر أحد المؤسسين:
"لسنوات، كنّا نكافح كلٌّ بمفرده. هذا أول عام نبدأ فيه التحدث باللغة نفسها."
ووصف مؤسسٌ آخر عام 2025 بأنه "عام الضربة القاضية"، اللحظة التي أُغلقت فيها العديد من التطبيقات لأن المنظومة انفتحت قبل أن تنضج البنية التحتية المحلية. وأشار آخرون إلى صدمة المنافسة المفاجئة، وارتفاع تكاليف التشغيل، وقفزات حادة في أسعار خدمات التحقق عبر الرسائل (OTP) وصلت، في بعض الحالات، إلى 2700%، فضلًا عن العبء النفسي الناتج عن مقارنة الذات بشركات إقليمية تمتلك عقودًا من الخبرة وفرقًا تضم مئات الموظفين.
قد يظل الزخم حتى الآن رمزيًا في كثير من مظاهره، لكن الاصطفاف حقيقي. إن بروز هذه الدفعة، المشكَّلة تحت ضغط القيود، والمحرَّكة بتوقعات جديدة، يمثل أول خطوة منسّقة نحو تشكّل منظومة سورية رسمية للشركات الناشئة.
6. أنماط متكررة: الجيد والسيئ والمتكرر
لم تُلغِ هذه التطورات العوائق الداخلية، لكنها مجتمعةً تشير إلى انتقالٍ بطيء ومركّب: من العزلة إلى اندماجٍ حذر، ومن منطق البقاء إلى البدايات الأولى لتشكّل نظام ابتكار بدأ يجد صوته الخاص. فالأنماط التي أفرزتها دفعة الشركات الناشئة لعام 2025 تُحيل إلى منظومةٍ في حالة انتقال. يعمل المؤسسون اليوم بوعيٍ متجدد بإمكاناتٍ كانت غائبة سابقًا، لكنهم يفعلون ذلك داخل بيئةٍ لم تُعدّل بعد بنيتها بما يتناسب مع حجم طموحاتهم. وتصف المقابلات، على نحوٍ متكرر، منظومةً تستيقظ وتثقلها القيود في آنٍ واحد؛ حيث يتجاور الزخم والقيد، ويشكّلان معًا نمطًا سوريًا مميّزًا من الريادة.
أحد أكثر التحولات الإيجابية وضوحًا يتمثل في ذهنية المؤسسين. فقد تراجع الخوف المرتبط بالخدمات الرقمية، ولا سيما المدفوعات والهوية والبيانات بدرجة ملحوظة. وكما قال أحد المؤسسين: "الناس باتوا أخيرًا مستعدين لتجربة أشياء جديدة". ويزداد حضور لغة المنتجات بدل لغة الأذونات، ولغة الأفكار بدل لغة المخاطر، بين طلاب الجامعات. لقد بدأ الثقل النفسي الذي كان يكبح التجريب الرقمي بالتلاشي، وهو ما يميّز عام 2025 عن العقد الذي سبقه.
غير أن الطموح بات اليوم يسبق الأساس البنيوي. وكما عبّر أحد المشاركين في المقابلات: "لسنا نبني من الصفر؛ نحن نعيد البناء فوق أسس كانت خاطئة". فلا تزال سنوات من الحوكمة المجزأة، وضعف الانكشاف الخارجي، وانعدام الثقة المؤسسية، تُلقي بظلالها على كيفية فهم الريادة وممارستها. تتحول فكرة واحدة ومحادثة واحدة مع مستثمر إلى “شركة ناشئة”، ويُنظر إلى عشرة مستخدمين أوائل بوصفهم “زخمًا”. وغالبًا ما تُكافأ المرئية أكثر من التنفيذ. وهذه الفجوة بين الطموح والقدرة ليست إخفاقًا فرديًا، بل انعكاسًا للطريقة التي جرى من خلالها تطبيع التفكير داخل المنظومة نفسها.
وتبرز مسألة الثقة، أو غيابها، بوصفها نمطًا حاسمًا آخر. فقد عبّر المشاركون مرارًا عن مخاوف تتعلق بسرقة الأفكار، أو إساءة استخدام بيانات المؤسسين، أو غموض آليات اتخاذ القرار داخل الحاضنات والبرامج التي تقودها منظمات غير حكومية. وهذه ليست شكاوى معزولة، بل إشارات سلوكية تؤثر مباشرة في كيفية عمل المؤسسين. إذ تتجنب فرق عديدة مشاركة نماذجها الأولية أو بيانات التحقق، فيما يختار آخرون التقدم بصمت بدل العمل التعاوني. وفي بيئةٍ يُنظر فيها إلى الانفتاح بوصفه مخاطرة، يتباطأ التكرار (iteration)، وتفشل الأسواق في الخضوع لاختبارات جماعية. كما تؤدي التساؤلات حول مصداقية هياكل الدعم إلى تشويش إضافي في إشارات المنظومة.
وقد استعاد مؤسسون تجارب مع برامج وعدت بالاستثمار ولم تُقدّم شيئًا، ومسابقات لم تُصرف جوائزها، ومسرّعات أعادت تدوير مناهج متطابقة دون نتائج قابلة للقياس. وكما قال أحدهم: "البرامج صور وإعلانات، لكن أين النتائج؟". والنتيجة هي بيئة إشارات تُراكِم فيها الشركات الناشئة الانتماءات والعلامات الرمزية للظهور بدل العملاء، ما يضعف قدرة المنظومة على التعلّم من ردود فعل السوق الحقيقية.
ويفاقم شُحّ البيانات هذه الديناميات. إذ يخطئ المؤسسون مرارًا في تقدير حجم السوق والقدرة الشرائية لغياب معلومات موثوقة. وتُبنى مشاريع كثيرة على الحدس بدل الأدلة، ما يؤدي إلى تكرار الجهود وظهور حلول متوازية لا تعي وجود بعضها البعض.
ولا تنتقل المعرفة بسهولة بين الدفعات؛ إذ يشير المرشدون إلى اضطرارهم للبدء من المبادئ الأولى مع كل مجموعة جديدة، ما يدل على فشل الدروس في التحول إلى ذاكرة مؤسسية مشتركة. ويُبطئ هذا الغياب في الاستمرارية عملية النضج، ويُنتج شعورًا متكررًا بأن المنظومة تبدأ من جديد كل عام.
ويظهر نمطٌ متكرر آخر في كيفية تنقّل المؤسسين داخل منظومات الدعم المؤسسي. فبدل التقدم على مسارٍ تنموي واضح، ينتقل كثيرون أفقيًا عبر ممرّ من البرامج غير المترابطة، مكررين الوثائق والتدريبات ذاتها دون تحقيق قفزة نوعية في القدرات. ويعزز ذلك الانطباع بأن النجاح يُقاس بالانتماء لا بالأداء. ويواجه مرشدو الشتات التفتت نفسه من الجهة المقابلة؛ فبرغم استعدادهم العالي للمساهمة، يواجهون صعوبة في تحديد نقاط دخول مستقرة، ما يجعل مشاركتهم متقطعة لا تراكمية.
كما تُعيد قيود البنية التحتية تشكيل السلوك الريادي بعمق. إذ يصمم المؤسسون منتجاتهم وفق “حدٍّ أدنى دفاعي”، استباقًا لانقطاعات الكهرباء، وفشل الاتصال، وارتفاع تكاليف الخدمات. تُؤجَّل الخدمات الغنية بالخصائص، ويُؤخَّر التوسع، وتُقدَّم الموثوقية على الابتكار. وحتى الفرق الأعلى طموحًا تخطط للفشل قبل أن تخطط للنمو. وبذلك، لا تزرع هشاشة البنية التحتية الحذر تشغيليًا فحسب، بل نفسيًا أيضًا.
وعبر هذه الأنماط جميعها يمتد ديناميك نفسي أعمق: إذ يميل المؤسسون إلى استبطان الإخفاقات البنيوية بوصفها قصورًا شخصيًا. فعندما تنهار أنظمة الدفع، يشككون في نماذج أعمالهم؛ وعندما يغيب الوضوح في التسجيل، يشككون في جاهزيتهم؛ وعندما يدخل منافسون أجانب السوق، يفترضون دونية ذاتية. غير أن الأنماط المرصودة تشير إلى تفسير مختلف: فالكثير من هذه العوائق بنيوي لا فردي.
ويتجلى هذا التوتر بوضوح عند مقارنة السلوك الريادي قبل وبعد 08.12. فقبل إعادة فتح السوق، كان البقاء يعتمد على الارتجال، والصفقات التكتيكية، والتعرض المحدود لرأس المال، والحلول القصيرة الأجل. أما السياق اللاحق، فيتطلب منطقًا مختلفًا، موجّهًا نحو التوسّع والانضباط والجاهزية التنافسية. ولا يزال كثير من المؤسسين مترددين بشأن التوقيت الذي ينبغي فيه التخلي عن الممارسات التي أبقتهم صامدين لأكثر من عقد.
وتتفاقم هذه الحيرة في قطاعات مثل التكنولوجيا الصحية، حيث لا غنى عن الشرعية والوضوح التنظيمي ورأس المال طويل الأمد. كما أدخل انفتاح السوق حالةً من التردد الإضافي؛ إذ شكّل دخول منصات أجنبية بمنتجات ناضجة وعلامات قوية وفرق كبيرة صدمة نفسية. وجد المؤسسون المحليون أنفسهم فجأة في منافسة مع شركات تضم مئات الموظفين، فيما تتراوح فرقهم هم بين خمسة وعشرة. ووصف أحدهم عام 2025 بحدة بأنه "عام الضربة القاضية"، مشيرًا إلى إغلاق عدد كبير من التطبيقات. وبدل أن تُحفّز المنافسة الابتكار، كشفت عدم الجاهزية البنيوية.
ومن المهم التأكيد أن القدرة التقنية داخل سوريا حقيقية، وفي كثير من الحالات، أقوى مما يُفترض. غير أن القيد لا يكمن في المهارة، بل في القدرة على الوصول إليها. فالمطوّرون ذوو الخبرة يتقاضون أجورًا تفوق قدرة الشركات الناشئة المبكرة، فيما تظل خبرات الشتات بعيدة المنال ماليًا. وتُجبر الفرق على الاختيار بين كوادر مبتدئة يمكن تحمّل تكلفتها، وخبرات عليا تحتاجها فعلًا. ويخلق هذا المقايض فجوة جودة تظهر فورًا عند التنافس مع شركات أجنبية جيدة التمويل. فالموهبة موجودة؛ لكن الوصول إليها ليس كذلك.
مجتمعةً، لا تحكي هذه الأنماط قصة فشل، بل قصة احتكاك. والاحتكاك هنا كاشفٌ ودالّ؛ إذ يحدد أين ينبغي للمؤسسات أن تتكيّف، وأين يجب للأنظمة أن تتطور، وأين يدفع المؤسسون بالفعل ضد حدودٍ موروثة. يظل التقدم غير متكافئ، لكنه واضح. فالمنظومة لم تعد ساكنة؛ إنها تفاوض مستقبلها في الزمن الحقيقي.
7. الفجوات البنيوية التي حدّت المنظومة في 2025
تكشف الفصول السابقة عن واقعين متزامنين. فعلى السطح، مثّل عام 2025 بروز دفعةٍ مرئية من الشركات الناشئة، مدعومة بمبادرات جديدة، ومراكز ابتكار، وتزايد انخراط الشتات السوري. غير أنّ هذا الزخم يخفي، في مستواه الأعمق، احتكاكاتٍ مستمرة ما تزال تشكّل الكيفية التي تتجسّد بها الريادة على أرض الواقع. إذ يتجاور تصاعد الطموح وتحوّل الذهنيات مع قيودٍ متكررة تتعلق بالثقة، وتحقيق الإيرادات، ومصداقية الهياكل الداعمة، والوضوح التنظيمي، وأعراف الممارسة التجارية.
وتشير هذه الديناميات مجتمعةً إلى إشكالية أعمق: إذ يتقدّم النشاط الريادي في سوريا داخل منظومةٍ لم تتكيّف هندستها التأسيسية بعد مع حجم الطاقة التي باتت تحتويها. فما يُقرأ غالبًا بوصفه “تباطؤًا في التطور” لا يعود إلى ضعف الجهد أو فقر الأفكار، بل إلى شروطٍ بنيوية تحدد السقف الذي يمكن لأي فاعل، مؤسسًا كان أو مستثمرًا أو مؤسسة أو صانع سياسات، أن يتحرك ضمنه. ويؤكد ذلك ما تُظهره بيانات المنظومة نفسها؛ إذ يبيّن مسح “Startup Syria” لعام 2025 أن 73% من المؤسسين يصفون الضغوط الاقتصادية بأنها “شديدة للغاية”، مشيرين إلى ندرة الاستثمار، وضعف القدرة الشرائية، وغموض الأطر التنظيمية، وتقييد أنظمة الدفع والمصارف، وتدهور البنية التحتية.
ينقل هذا الفصل التحليل من مستوى الأعراض إلى مستوى البنية. واستنادًا إلى المقابلات، وبيانات المسوح، وخرائط المنظومة، يحدّد ست فجوات بنيوية مترابطة تُشكّل مجتمعةً السقف الحقيقي لمنظومة الشركات الناشئة في عام 2025. وتفسّر هذه الفجوات لماذا يبدو التقدم غير متكافئ، ولماذا نادرًا ما يتحول الزخم إلى نموٍّ منظومي منتظم، ولماذا تبقى مبادرات واعدة كثيرة قصيرة العمر.
ومن خلال تفكيك هذه الفجوات، يسعى مختبر آرام (Aram Lab) إلى توضيح الأسئلة المحورية التالية:
- لماذا يتقدّم النظام بوتيرة أبطأ من حجم الطاقة الكامنة داخله؟
- أين تنشأ نقاط الاختناق الأساسية؟
- كيف تُعيد هذه القيود إنتاج بعضها بعضًا؟
- وما الذي ينبغي أن يتغيّر قبل أن يصبح التوسّع المنظومي الحقيقي ممكنًا؟
الفجوة 1: غموض قانوني وتنظيمي نظام لا يتعرف بعد على “شركة ناشئة”
توسّع النشاط الريادي في سوريا بوتيرةٍ أسرع من تطوّر الأطر القانونية المُصمَّمة لتنظيمه. ونتيجةً لذلك، تعمل الشركات الناشئة ضمن منظومات تنظيمية وُضِعت أساسًا للأعمال التجارية التقليدية، لا لمشاريع عالية المخاطر قائمة على الملكية (Equity) ورأس المال الاستثماري. ورغم أن تخفيف العقوبات، وظهور مراكز الابتكار، واتساع الاعتماد الرقمي قد فتحوا آفاقًا جديدة، فإن الإصلاح التنظيمي لم يواكب هذا التحوّل.
ولا تزال إجراءات تسجيل الشركات يدويةً وجامدة، دون فئة قانونية واضحة تعترف بالشركات الناشئة. كما تفتقر أدوات الملكية إلى أسس قابلة للإنفاذ، وتظلّ حماية المستثمرين ضعيفة، فيما تبقى الملكية الفكرية صعبة التفعيل عمليًا. وتتقاطع هذه الثغرات مع ما تُظهره بيانات المنظومة، التي تشير إلى الغموض التنظيمي بوصفه أحد التحديات الرئيسة التي يواجهها المؤسسون.
عمليًا، يفرض هذا الغموض على روّاد الأعمال تبنّي حلولٍ التفافية. فيلجأ كثيرون إلى تسجيل شركاتهم خارج البلاد للوصول إلى هياكل استثمارية أكثر أمانًا، ما يرفع التعقيد التشغيلي ويُضاعف عدم اليقين المتعلق بالضرائب والعقود والحوكمة. في المقابل، يعمل آخرون في الهامش غير الرسمي، الأمر الذي يقيّد قدرتهم على جمع رأس المال، أو التوظيف الرسمي، أو إبرام اتفاقيات طويلة الأجل.
إن الوضوح القانوني ليس مسألةً هامشية، بل شرطٌ تأسيسي. فمن دونه، تستطيع المسرّعات تدريب المؤسسين، لكنها تعجز عن تخريج شركاتٍ متوافقة قانونيًا. وقد يُبدي المستثمرون اهتمامًا، لكنهم لا يستطيعون ضخّ رأس المال على نطاقٍ واسع. ويظلّ فاعلو الشتات في موقع المستشارين بدل اندماجهم كأصحاب مصلحة كاملين. وحتى المنصات التي تقودها الحكومة تعمل دون إطارٍ يميّز المشاريع التقنية عن الأعمال التقليدية. وفي غياب تحديثٍ تنظيمي شامل، يبقى النمو معتمدًا على ترتيبات مؤقتة لا على أنظمة مؤسسية راسخة.
الفجوة 2: احتكاك مالي عوائق بنيوية أمام حركة رأس المال
إذا كان الغموض القانوني يقيّد ما يمكن للشركة الناشئة أن تصبحه، فإن الاحتكاك المالي يقيّد ما إذا كان بإمكانها أن تبدأ أصلًا. وتكشف المقابلات وتقارير البرامج عن نمطٍ متكرر وواضح: رأس المال موجود، لكنه عاجز عن الحركة بكفاءة أو قابلية للتنبؤ. فالمشكلة ليست في شحّ الأموال، بل في غياب الآليات التي تسمح بتدفّقها.
وعلى الرغم من استعادة المصارف جزءًا من وظائفها بعد عام 2025، فإنها ما تزال تعمل وفق نماذج إقراض قائمة على الضمانات، غير ملائمة بطبيعتها للشركات الناشئة. كما تفتقر أدوات رأس المال الاستثماري الحديثة، مثل اتفاقيات الاستثمار الآمن (SAFEs)، والسندات القابلة للتحويل، وملكية المراحل المبكرة، إلى أساس قانوني قابل للإنفاذ. وفي الوقت ذاته، تبقى أنظمة الدفع هشّة، ويستمر عدم استقرار العملة، وتظل التحويلات العابرة للحدود خاضعة لقيود صارمة.
ونتيجةً لذلك، تعجز الشركات الناشئة عن تحويل الطلب إلى إيرادات. فحتى المنتجات التي تلبي حاجة سوقية واضحة تبقى عالقة في مرحلة النموذج الأولي بسبب عدم موثوقية قنوات تحقيق الدخل. ويُبدي مستثمرو الشتات اهتمامًا، لكنهم يترددون في المضي قدمًا بفعل مخاطر التحويل وغموض الامتثال. ويستجيب المؤسسون عبر إنشاء كيانات خارجية، أو الاعتماد على التحويلات الفردية، أو ملاحقة المنح، ما يخلق واقعًا ماليًا مزدوجًا يحدّ من التعلّم المحلي ويُبطئ التوسّع.
وتحدّد البنية التحتية المالية ما إذا كانت القيمة المُنتَجة قابلة للاحتجاز وإعادة الاستثمار. وفي غياب قابلية حركة رأس المال، تبقى المنظومة معتمدة على رعايات متفرقة وتمويل مانحين، بدل سلوك اقتصادي مستدام. وتحمل هذه الفجوة أيضًا كلفةً نفسية؛ إذ يميل المؤسسون إلى تفسير تعثّر تحقيق الإيرادات بوصفه إخفاقًا شخصيًا لا قيدًا منظوميًا، ما يعزّز الإغلاق المبكر وتآكل الثقة.
ومن منظورٍ تحليلي، تمثّل هذه الفجوة عائقًا جوهريًا أمام التحوّل الاقتصادي. فلا منظومة يمكن أن تتوسّع اعتمادًا على المرئية وحدها. إن أنظمة الدفع، ومسارات الاستثمار، وأطر المخاطر هي ما يصل الطموح الريادي بالواقع الاقتصادي. وإلى أن تُرسَّخ هذه الأسس، سيظل النمو رمزيًا أكثر منه ماديًا.
الفجوة 3: المعرفة والإرشاد ونضج المؤسسين
تتعلق الفجوة البنيوية الثالثة بتشكّل قدرات المؤسسين. فعلى الرغم من ما تُظهره المنظومة من طاقة وابتكار، تظلّ الشروط التي تُمكّن نضج الريادة ضعيفة ومحدودة. ولا يعود ذلك أساسًا إلى نقصٍ في المواهب، بل إلى غيابٍ منظومي لبيئاتٍ تنقل المعرفة التراكمية وتُحوّل الخبرة الفردية إلى رأسمال مؤسسي.
لقد أفرزت سنوات عدم اليقين مؤسسين بارعين في الارتجال وتكتيكات البقاء، يعتمدون في الغالب على الشبكات الشخصية والحلول قصيرة الأجل. ورغم أن هذه السمات كانت تكيفية في سياقات الأزمة، فإنها توفر استعدادًا محدودًا لبناء شركاتٍ منظّمة وقابلة للتوسّع. وغالبًا ما تظهر المفاهيم الجوهرية، مثل اكتشاف العملاء، واقتصاديات الوحدة، والحوكمة، والتخطيط طويل الأمد، للمرة الأولى داخل برامج المسرّعات، لا بوصفها معارف متراكمة سابقة.
وتحاول مؤسسات الدعم سدّ هذه الفجوة، غير أن المرشدين يشيرون باستمرار إلى أن الثغرات التأسيسية تُجبر كل برنامج على البدء من نقطة الصفر. فلا يتراكم التعلّم عبر الدفعات الريادية، ولا يتحوّل إلى خبرة مشتركة. ويسهم مرشدو الشتات، عبر مبادرات مثل SYNC و Thimar، برؤى قيّمة، إلا أن المنظومة تفتقر إلى آليات قادرة على استيعاب هذه المعارف، وتأطيرها، والبناء عليها بصورة مؤسسية.
ونتيجةً لذلك، يتمكّن كثير من المؤسسين من تطوير نماذج أولية أو إثارة اهتمامٍ مبكر، لكنهم يواجهون صعوبة في بلورة نماذج أعمال متينة، أو استراتيجيات مالية واضحة، أو هياكل حوكمة مستقرة. تتحرك المشاريع، لكنها لا ترتكز. وتنعكس هذه الفجوة في تردّد المستثمرين، وتفاوت نتائج الإرشاد، وضعف الجاهزية التنافسية ولا سيما عند مواجهة فرق محلية لمنصات أجنبية تمتلك عمليات ناضجة وقدرات توسّع واسعة.
ولا يشير ذلك إلى إخفاق، بل إلى منظومة لا تزال في مرحلة مبكرة من إعادة الاندماج بعد عزلة طويلة. فما هو قائم اليوم لا يتجاوز طبقة أولى من القدرات. أما البنى الأعمق، التي تُنتج مؤسسين ناضجين، وجامعات فاعلة، ومجتمعات مهنية، وشبكات أقران، ولغة مشتركة، وذاكرة مؤسسية، فلا تزال في طور التشكل.
الفجوة 4: غياب البيانات وضبابية السوق
تعمل منظومة الشركات الناشئة في سوريا ضمن مستويات غير اعتيادية من الضبابية. فلا يمتلك المؤسسون رؤية واضحة لأسواقهم، ولا يستطيع المستثمرون تقدير الفرص على نحوٍ موثوق، فيما تفتقر المؤسسات إلى المؤشرات اللازمة لتوجيه القرار. وتظل البنية العامة للبيانات ضعيفة: سجلات الشركات غير موثوقة، والإحصاءات القطاعية ناقصة، والمؤشرات الاقتصادية موزّعة ومجزّأة بين الوزارات.
وفي ظل هذا السياق، يتنقّل المؤسسون بالحدس لا بالدليل. إذ تُخمَّن أحجام الأسواق والقدرة الشرائية وخرائط المنافسة بدل أن تُقاس، ما يؤدي إلى تكرار الجهود، وسوء تقدير الطلب، وظهور حلول متوازية لا تعي وجود بعضها البعض. ولا تتراكم الإخفاقات في صورة معرفة مشتركة، فتتوسع المنظومة في جيوبٍ معزولة بدل أن تتطور وفق أنماط متماسكة.
ويمتد هذا القيد إلى الاستثمار. فرأس المال موجود، لكن المخاطر غير قابلة للتقييم. ويعاني المستثمرون المحليون ومستثمرو الشتات على حدٍّ سواء من غياب الرؤية حول أساسيات السوق، ما يعزز الاعتماد على الإقراض القائم على الضمانات أو على الثقة غير الرسمية. وفي غياب معايير مرجعية واضحة، تعجز المسرّعات عن تقييم الأثر، ولا يتمكن صانعو السياسات من الإحاطة بما هو قائم فعليًا.
إن البيانات شرطٌ تأسيسي للمأسسة. فبدونها، تظل القرارات شخصية، والاستراتيجيات تفاعلية آنية، ويتقلص التعلّم المنظومي. وتؤدي هذه الفجوة إلى إبطاء جميع مستويات التطور، من الاستثمار وصنع السياسات، إلى تصميم البرامج وبنائها.
الفجوة 5: التفتت المؤسسي وغياب “المركز”
تطوّرت منظومة الشركات الناشئة في سوريا عبر تدخلاتٍ متوازية نفذتها منظمات غير حكومية، وحاضنات، وجامعات، وجهات مانحة، ومجموعات غير رسمية. ويسدّ كل فاعلٍ منها فجواتٍ مهمة، غير أن التنسيق بينها ظلّ محدودًا. وبحلول عام 2025، أفضى ذلك إلى مشهدٍ نشط، لكنه مجزّأ.
تعمل المؤسسات وفق مناهج، ومؤشرات قياس، وأولويات متباينة. فتتكرر الأدوار، وتُعاد برامج بمضامين متشابهة، ويتداخل المستفيدون. ويتنقّل المؤسسون أفقيًا بين المبادرات، مُراكِمين شهاداتٍ وانتماءات أكثر مما يطوّرون قدراتٍ قابلة للتراكم. يزداد النشاط، لكن التقدّم لا يتراكم.
ويمتد أثر هذا التفتّت إلى انخراط الشتات. فعلى الرغم من امتلاك فاعلي الشتات خبرات عميقة في بناء الشركات والاستثمار، فإنهم يفتقرون إلى نقاط دخولٍ واضحة وواجهات مساءلة محدّدة. ويبقى الإرشاد والدعم فرديًا ومجزّأً، لا منظوميًا. وبالمثل، تفتقر الهياكل الحكومية إلى آليات مخصّصة لدمج المواهب العالمية بصورة مؤسسية.
ولا تكمن المشكلة في أداء المؤسسات بحدّ ذاته، بل في غياب النسيج الرابط بينها. إذ تعتمد المنظومات الناضجة على مراكز تنسيقية توحّد المعايير، وتراكم التعلّم، وتنسّق تدفقات الموارد. وفي الحالة السورية، تتوافر لبنات البناء، لكن البنية التي تصل بينها لم تُستكمل بعد. ومن ثمّ، يغدو التنسيق رافعةً استراتيجية: تحسيناتٌ متواضعة فيه قد تفتح مكاسب غير متناسبة عبر المنظومة بأكملها.
الفجوة 6: قيود البنية التحتية الرقمية والمادية
أخيرًا، تُحدِّد قيود البنية التحتية الحدود العملية للابتكار. فنقص الكهرباء، وعدم استقرار الإنترنت، وارتفاع تكاليف الخدمات، وضعف شبكات اللوجستيات، تؤثر في القرارات الريادية تأثيرًا مباشرًا يفوق أثر السياسات العامة. ويضطر المؤسسون إلى تصميم منتجاتهم وفق ما تستطيع الأنظمة القائمة تحمّله، لا وفق ما تتطلبه الأسواق.
ويؤدي عدم الاستقرار الرقمي إلى تقويض الموثوقية وثقة المستخدمين، فيما يرفع الضرر المادي كلفة التشغيل في قطاعات اللوجستيات، والتكنولوجيا الصحية، والتجارة الإلكترونية. ويتطلب التوسّع ارتجالًا دائمًا عبر أنظمة احتياطية وشبكات غير رسمية، وهي استراتيجيات مكّنت من البقاء سابقًا، لكنها باتت اليوم تستنزف الطاقة على حساب الابتكار.
وتنعكس هذه القيود في هيمنة قطاعات بعينها. إذ تسود الخدمات الرقمية، والتجارة الإلكترونية، وتكنولوجيا التعليم، والتكنولوجيا المالية الخفيفة، لأنها قادرة على العمل ضمن بنية تحتية محدودة. في المقابل، نادرًا ما تظهر مشاريع كثيفة رأس المال أو معتمدة على بنى تحتية معقّدة، ما يضيّق مجال التجريب ويعزّز نطاقًا محافظًا للنشاط.
وبذلك، لا تشكّل البنية التحتية شرط الإمكان فحسب، بل تصوغ الذهنية الريادية ذاتها. فيتردّد المؤسسون في التوسّع، ويميلون إلى تبسيط العروض، والتخطيط الدفاعي بدل الهجومي. وإلى أن يتحقق قدرٌ أعلى من الاستقرار، سيظل الطموح محكومًا بمخاطر التشغيل.
كيف تتفاعل الفجوات لتشكّل سقفًا بنيويًا
لا تعمل هذه الفجوات الست بمعزلٍ عن بعضها البعض، بل تنتظم في بنيةٍ ذاتية التعزيز. فالغموض القانوني يُضعف الثقة المالية؛ والاحتكاك المالي يحدّ من نضج المؤسسين؛ وضبابية البيانات تُعمّق التفتّت المؤسسي؛ وهذا التفتّت بدوره يمنع خبرات الشتات من الاندماج على نطاقٍ واسع؛ فيما يخترق عدم استقرار البنية التحتية جميع المستويات، دافعًا الفاعلين إلى التصميم على أساس تجنّب الفشل لا استثمار الإمكان.
ونتيجةً لذلك، تدور الطاقة داخل المنظومة دون أن تتراكم. فالتقدّم في مجالٍ واحد نادرًا ما يفتح الباب لتقدّمٍ في مجالات أخرى ما لم تتحرك الإصلاحات بصورة متزامنة. فالمهارات بلا مسارات مالية لا تُنتج توسّعًا؛ ورأس المال بلا وضوح قانوني يظلّ هشًّا؛ والبيانات بلا تنسيق لا تُترجم إلى سياسات أو استثمار. وحتى حين يحرز فاعلون أفراد تقدّمًا، يبقى الأثر محدودًا ما لم يواكبه تقدّمٌ موازٍ على مستوى المنظومة.
وهذا ما يفسّر لماذا يبدو الزخم مرئيًا فيما يظلّ التسارع بعيد المنال. فالقيود مُهيكلة بحيث تُعيد إنتاج نفسها، وتحمي المنظومة من التغيير الجزئي أو المعزول. وما لم تُعالَج هذه الفجوات على نحوٍ متوازٍ، سيستمر التقدّم في الظهور على هيئة إشارات منفصلة، لا كتحوّلٍ فعلي في المسار العميق للمنظومة.
8. أفق 2026
منظومة تحت الضغط وإمكانات التحوّل
يدخل العام المقبل في لحظةٍ تتسم بتناقضٍ بنيوي واضح: فمن جهة، باتت منظومة الشركات الناشئة في سوريا أكثر نشاطًا مما كانت عليه في أي وقت خلال العقد الماضي؛ ومن جهة أخرى، ما تزال تعمل تحت سقفٍ بنيوي يحدّ من مدى تحوّل هذا الزخم إلى أثرٍ قابل للتراكم. ولا تزال الضغوط حادّة: فالمؤسسون يواصلون التعامل مع غموضٍ قانوني، وقيودٍ على رأس المال، وتفتّتٍ مؤسسي، وعدم استقرارٍ في البنية التحتية. وفي المقابل، تزداد مؤشرات الإمكان وضوحًا. فحجم المشاريع الجديدة، وتنامي انخراط الشتات، والظهور التدريجي لهياكل داعمة، جميعها تشير إلى أن المنظومة تقترب من لحظة إعادة معايرة.
ما سيُميّز عام 2026 ليس عدد الشركات الناشئة التي تُطلَق، بل ما إذا كانت الهندسة التأسيسية للمنظومة ستبدأ بالتكيّف مع مستوى الطاقة الريادية التي باتت تحتويها. فلم تعد المشكلة نقصًا في الأفكار أو الدوافع؛ بل تتمثل في غياب الشروط التمكينية التي تسمح للزخم المبكر بأن يتصلّب ويتحوّل إلى مؤسساتٍ مستدامة. وبناءً عليه، يتحوّل معيار التقدّم في العام المقبل من التركيز الحصري على نشاط المؤسسين إلى تقييم قدرة النظام المحيط على التكيّف، والتنسيق، والاستجابة.
أين ينبغي تركيز الجهد في عام 2026؟
من تراكم النشاط إلى تشكيل المسار
إن التحوّل الأهم في عام 2026 ليس قطاعيًا ولا برنامجيًا، بل تحوّلًا مفاهيميًا. فهو يقتضي الانتقال من نمطٍ يراكم النشاط إلى نمطٍ يُشكّل المسار. فعلى مدى العقد الماضي، عمل فاعلو المنظومة في ظروفٍ فرضت الاستجابة الفورية، ما أبقى الطاقة الريادية حيّة عبر تدخلات قصيرة الأجل وحلول مدفوعة بالأزمات. ورغم ضرورة هذه الجهود، فإنها أسهمت أيضًا في ترسيخ نمطٍ من التفتّت، حيث عالجت المبادرات الأعراض بدل بناء بنية طويلة الأمد.
ومع دخول عام 2026، تتاح فرصة لإعادة توجيه الطموح نحو بناء المنظومة. ويعني ذلك النظر إلى النظام الريادي بوصفه بنية مترابطة، لا مجموعة جهودٍ معزولة. وفي هذا الإطار، لا يعود النجاح مُقاسًا بالسرعة الظاهرة أو حجم النشاط، بل بمدى استقرار القواعد، ووضوح المسارات، واتساق التوقعات. وينتقل السؤال المركزي من: كم شركة ناشئة يمكن إنشاؤها؟ إلى: ما الشروط التي يجب أن تتوافر كي تصمد المشاريع، وتنضج، ثم تتوسّع؟
ويتطلب هذا التحوّل مقاومة إغراء “الانتصارات السريعة”. فمن المرجّح أن يسير التقدّم في عام 2026 بإيقاع أبطأ وأكثر تعمّدًا، يُعلي شأن التماسك على حساب التوسّع. ويبدأ ذلك بمنح المؤسسات الوقت والحوافز اللازمة للتوافق بصورة أعمق. ويتواصل عبر أطرٍ أوضح تساعد المؤسسين على فهم البيئة التي يعملون ضمنها. ويتعزّز مع تبلور إدراكٍ مشترك لكيفية عمل المنظومة، بما يضمن أن تعزّز المبادرات الجديدة البنية القائمة بدل تعميق تفتّتها.
الموازنة بين الضغوط الآنية والاتجاه طويل الأمد
سيحمل العام المقبل ضغوطًا لا يمكن تجاهلها: دفعات جديدة من المؤسسين، وتصاعد المنافسة الإقليمية، وتزايد اهتمام الشتات، واستمرار التبنّي الرقمي. والاستجابة لهذه الديناميات أمر لا مفرّ منه. غير أن التحدي الجوهري في عام 2026 يكمن في الاستجابة دون فقدان البوصلة الاستراتيجية. فالمنظومات التي تمر بمرحلة انتقالية تحتاج إلى التمييز بين ما هو عاجل وما هو تأسيسي.
فعندما تتحوّل كل حاجة طارئة إلى أولوية، يتشتت الجهد ويضعف الزخم. وعلى النقيض، عندما تهيمن الرؤية طويلة الأمد دون تماسٍ مع القيود الراهنة، تصبح الاستراتيجية مجرّدة ومنفصلة عن الواقع. وتتمثل المهمة الأساسية في الجمع بين الأمرين معًا: تلبية الاحتياجات الفورية، مع ضمان أن تُسهم كل استجابة في بناء هيكلٍ طويل الأمد لا في حلٍّ مؤقت.
خطوات مبكرة تُشكّل مسار المنظومة
في فترات الانتقال، تكتسب القرارات المبكرة وزنًا مضاعفًا. فحتى التحولات الصغيرة في الذهنية، أو التنسيق، أو الإجراءات، قادرة على إعادة توجيه المسار لسنوات. وهذا ما يجعل الخطوات الأولى في عام 2026 ذات أهمية استثنائية. فإجراءات متواضعة، مثل إرساء معايير مشتركة بين البرامج، وتحسين قنوات التواصل بين الفاعلين، وتوضيح اللغة المرتبطة بنضج المؤسسين، أو إنشاء مسارات أكثر قابلية للتنبؤ للفرق، يمكن أن تعيد تشكيل تطوّر المنظومة ككل.
وعليه، لا ينصبّ التركيز على الحجم بقدر ما ينصبّ على الاتجاه. فالمهم هو التوافق حول نوع المنظومة التي تسعى سوريا إلى بنائها، وضمان أن تتجه قرارات الفاعلين الحكوميين والخاصين، والشتات، والمجتمع المحلي، في المسار ذاته. والنتيجة المنشودة لعام 2026 ليست منظومةً أكبر، بل منظومةً أكثر تماسكًا، قادرة على التعلّم الجماعي، والتحرّك المتعمّد، وتعزيز بنيتها مع مرور الوقت. وفي هذا السياق، يُقاس التقدّم لا بتراكم النشاط، بل بتنامي قدرة النظام على العمل بوصفه نظامًا.
9. خاتمة
إن الصورة التي يقدّمها عام 2025 ليست صورة تحوّلٍ سريع، ولا حالة جمود. بل هي صورة منظومة بدأت تستيقظ داخل حدود قيودها الذاتية. فقد تعزّزت ثقة المؤسسين، وتوسّع النشاط المؤسسي، وأصبحت سوريا أكثر اتصالًا بالشبكات الإقليمية والعالمية مما كانت عليه في أي مرحلة خلال العقود الأخيرة. غير أنّ هذه المؤشرات الإيجابية تتجاور مع شروطٍ بنيوية ما تزال تحدّد السقف الذي يمكن للمنظومة أن تتطوّر ضمنه.
وما ميّز عام 2025 لم يكن بروز شركاتٍ اختراقية، بل تشكّل حالة من الاصطفاف. فللمرة الأولى، بدأ المؤسسون ينظرون إلى أنفسهم بوصفهم جزءًا من دفعة مشتركة لا فاعلين معزولين. وأصبحت المؤسسات أكثر وضوحًا لبعضها البعض. وبدأت لغة مشتركة، وإن كانت لا تزال هشّة، تتبلور حول الريادة والابتكار وبناء المنظومات. وبهذا المعنى، مثّل عام 2025 المسودة الأولى لنظام وطني للشركات الناشئة والابتكار؛ نظام لا يزال غير مكتمل وغير متوازن، لكنه لم يعد مفكّكًا بحكم الواقع.
وفي الوقت نفسه، كشف العام بوضوح أن الطاقة وحدها لا تكفي. فما تزال الأسس القانونية، والمالية، والمؤسسية، والبنيوية اللازمة لدعم نموٍّ مستدام غير مكتملة. وفي غياب هذه الأسس، يدور الزخم دون أن يتراكم، وتتعثر الجهود الواعدة عند عتباتها الأولى. فالتحدي ليس نقصًا في الطموح أو الموهبة، بل خللًا في المعمار.
وعليه، تتمثّل مهمة عام 2026 في تعميق البنية لا توسيع النشاط. إذ يتعيّن على المنظومة الانتقال من الفعل إلى التماسك، ومن التدخلات المتفرّقة إلى الهيكل المشترك، ومن الحماسة إلى القدرة. وسيعتمد التقدّم في العام المقبل أقلّ على إطلاق مبادرات جديدة، وأكثر على تعزيز الشروط التي تتيح للمبادرات القائمة أن تتصل ببعضها، وتنضج، وتدوم. فخطوات صغيرة، متعمّدة، تُتّخذ في الاتجاه الصحيح، ولا سيما تلك التي تعزّز قابلية التنبؤ، والتنسيق، والثقة، ستكون أكثر أثرًا من جهود واسعة النطاق قائمة على أرضٍ هشّة.
وما أثبته عام 2025 هو أن المواد الخام لمنظومة ريادية نابضة بالحياة موجودة بالفعل. أمّا ما سيحدّده عام 2026، فهو ما إذا كانت سوريا قادرة على البدء ببناء المعمار القادر على احتوائها.
قائمة المراجع (Bibliography)
Arab News.
"سوريا على الإنترنت: الجناح السوري يشارك لأول مرة في GITEX Expand North Star 2025 في دبي". Arab News، 2025.
https://www.arabnews.com/node/2618511/corporate-and-sponsored-content.
وزارة الشؤون الخارجية والتجارة الأسترالية (DFAT).
"إطار العقوبات على سوريا". وزارة الشؤون الخارجية والتجارة. تاريخ الاطلاع: 23 كانون الأول/ديسمبر 2025.
https://www.dfat.gov.au/international-relations/security/sanctions/sanctions-regimes/syria-sanctions-framework.
باركر، كلوي، وكايتي بالمز، ودانيال جونز، وإغناسيو إسكندرياس، وليديا روجرز، وغابي بوسكوتيه.
"الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة يخففان العقوبات المفروضة على سوريا". Global Sanctions Alert. DLA Piper، 8 أيار/مايو 2025.
https://www.dlapiper.com/en-de/insights/publications/global-sanctions-alert/2025/eu-and-uk-rollback-syria-sanctions.
بيريتك، وسيدا.
بناء الصمود: رسم خرائط المنظومة من أجل التعافي الاقتصادي، وريادة الأعمال، وتمكين المشاريع الصغيرة والمتوسطة في سوريا. بيروت: Berytech، تشرين الأول/أكتوبر 2025.
https://berytech.org/wp-content/uploads/2025/11/Sida-Report-October-2025-Part-1.pdf
وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء (EUAA).
معلومات بلد المنشأ: سوريا – محور قطري. لوكسمبورغ: مكتب منشورات الاتحاد الأوروبي، تموز/يوليو 2025.
https://www.euaa.europa.eu/sites/default/files/publications/2025-07/2025_07_EUAA_COI_Report_Syria_Country_Focus.pdf.
Global Policy Watch.
"صلاحيات جديدة للعقوبات في قانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2026 (NDAA)". Global Policy Watch، 22 كانون الأول/ديسمبر 2025.
https://www.globalpolicywatch.com/2025/12/new-sanctions-authorities-in-the-fy-2026-ndaa/.
رويترز.
"الاتحاد الأوروبي يعلّق العقوبات على سوريا، بما في ذلك قطاعات الطاقة والمصارف". 24 شباط/فبراير 2025.
https://www.reuters.com/world/middle-east/eu-suspends-sanctions-against-syria-including-those-energy-banking-2025-02-24.
Rest of World.
"سوريا تستضيف أول مؤتمر تقني دولي منذ 50 عامًا (SYNC 25)". Rest of World، 2025.
https://restofworld.org/2025/syria-international-tech-conference-sync-25.
———
"سعي سوريا لبناء وادي السيليكون الخاص بها". Rest of World، 2025.
https://restofworld.org/2025/syria-tech-industry.
Startup 3lmashi.
"سوريا تطلق تحالفًا وطنيًا لتوحيد حاضنات ومسرّعات الأعمال". Startup 3lmashi، 2025.
https://www.startup3lmashi.com/p/syria-launches-national-alliance.
Startup Syria.
النهوض من تحت الركام: ريادة الأعمال في سوريا ما بعد الأسد. دمشق: Startup Syria، 2025.
https://report.startupsyria.org/Startup_Syria_Rising_From_Rubble.pdf.
الوكالة العربية السورية للأنباء (سانا).
"افتتاح مركز الابتكار الرقمي (DIGIT) في دمشق". 2025.
https://archive.sana.sy/en/?p=357490.
وزارة الداخلية البريطانية (UK Home Office).
مذكرة معلومات قطرية وسياساتية: الوضع الإنساني في سوريا. لندن: UK Home Office، تموز/يوليو 2025.
https://assets.publishing.service.gov.uk/media/6874e035b1b4ebc2c2e46543/SYR+CPIN+Humanitarian+situation.pdf.